وزارة التعليم "بطلةٌ" في زمن الانبطاح...
تُعتبر وزارة التعليم (وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الآن) من بين الوزارات التي كانت تعاني من شدة تصدي الشغيلة التعليمية عبر الإضرابات ومختلف الاحتجاجات التي تبنتها النقابات التعليمية، الجامعة الوطنية للتعليم (الاتحاد المغربي للشغل) والنقابة الوطنية للتعليم (الكنفدرالية الديمقراطية للشغل). وكانت تحسب ألف حساب قبل إصدار مذكراتها أو اعتماد برامجها أو اتخاذ قراراتها. و الشغيلة التعليمية "كافة" تتذكّر أو من المفروض أن تتذكّر الملاحم البطولية التي سجّلتها الشغيلة بمِداد الفخر، خاصة سنة 1979، وما ترتّب عن ذلك من اعتقالات وتوقيفات وطرد ومعاناة...
والحديث عن نضالات الشغيلة التعليمية لا يستقيم دون استحضار نضالات الحركة التلاميذية إبان توهُّج النقابة الوطنية للتلاميذ (نوت) أو قبلها. وذاكرة شعبنا لن تنسى الانتفاضة الشعبية لمنتصف ستينيات القرن الماضي، 23 مارس 1965 خاصة، ودور التلاميذ النضالي في تأجيجها وتصاعد لهيبها. وبدون شك كان للشغيلة التعليمية إسهامها الكبير في التحفيز والتثقيف، وحتى التأطير، على طول اشتغالها بالمدرسة العمومية المستهدفة الآن بحقد طبقي غير مسبوق. ويشرِّف الشغيلة التعليمية أن ينتمي الى حقلها التربوي مناضلون من طينة الشهيد عبد اللطيف زروال والشهيدة سعيدة المنبهي، كما يشرفها استشهاد أبٍ مناصر ومتضامن مع قضايا التربية والتكوين وقضايا الشغيلة؛ وهو الأب عبد الله الحجيلي...
واليوم، ماذا حصل أو ماذا يجري؟!
لن نغيِّب الوضع السياسي العام الوطني والدولي، حيث الهيمنة الفظيعة للإمبريالية والصهيونية والرجعية، خاصة والأيادي المالية القذرة للإمبريالية، البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، والانتكاسة التي تعرفها حركات التحرر الوطني عبر العالم، وضمنها القوى السياسية والنقابية والجمعوية ببلادنا؛ لكننا نستنكر بقوة الانبطاح الحالي، بل التواطؤ المكشوف مع النظام القائم اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي من طرف جل القوى السياسية والقيادات النقابية والجمعوية البيروقراطية...
وتحديدا بقطاع التربية والتكوين، حيث صارت وزارة التعليم "بطلةً" بدون منازع، فإننا نعيش المأساة/الملهاة الواحدة بعد الأخرى. معلوم أن الأحزاب السياسية غائبة، وكما دائما، وماذا عن النقابات، ونخصّ بالذكر الجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي (FNE) والنقابة الوطنية للتعليم (CDT) والجامعة الوطنية للتعليم (UMT)؟!
إنه من باب الضحك على الذقون الحديث عن "التحالف الخُماسي"!! فكيف لنقابات موالية لأحزاب سياسية ( حزب العدالة والتنمية و حزب الاستقلال و حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) متورطة في صنع الأوضاع القاتمة الراهنة، وخاصة التنزيل على نار هادئة لمخططي التعاقد والتقاعد المشؤومين والمسكوت عنهما بشكل مُقرفٍ ومخجل، وخاصة مخطط التعاقد الذي صار أمرا واقعا، أن ترفع صوتها الآن وأن تدّعي خدمة الشغيلة التعليمية؟! وكيف لنقابات تعليمية أخرى محسوبة على أحزاب سياسية أخرى تدّعي "نظافة اليد" أن تنسِّق معها وأن "تتحالف" معها؟!
بئْس التنسيق والتحالف...!!
وإنه من العار أخلاقيا اعتماد القيادات النقابية على منطق الفئوية بحسابات "مشخصنة" ومالية تستجيب لمرامي السلطات الوصية. وهنا، تبرز أيضا حقيقة "التنسيقيات" ورموزها و"حراكها" وشعاراتها البراقة، وأيضا الأطراف السياسية الواقفة وراءها. فأين شعارات هذه الأخيرة و"صمودها" و"قتاليتها"، في علاقة الأمر بالمدرسة العمومية والوظيفة العمومية ومخطط التعاقد المجحف؟!
إنها مؤامرات سياسية ونقابية تستدعي الفضح والمواجهة، وهنا يبرز الدور النضالي للمناضلين حقّا والقوى المناضلة حقًّا. وإن السكوت عن هذه الجرائم يفضح "أبطالها"، أي القيادات النقابية والأحزاب السياسية، وأيضا كل من يباركها بصمته وتخاذله وتحاذقه، أي من يدّعي النضال والمُمانعة شكلا، والنقيض مضمونا. فأن ينتمي المناضل لنقابة، مركزية أو قطاعية، لا يعني مباركة المواقف السياسية لقيادتها وقبول قراراتها التنظيمية أو حتى "الانتقال"/الهروب الى نقابة أخرى لا تقل بيروقراطية أو خضوعا. أما صمته فمباركةٌ قائمة وإسهام ثابت في الجريمة...
إن دور النقابات التعليمية لا يقتصر فقط على ما هو مطلبي. إنها معنية "كشريك" حسب الوزارة الوصية على القطاع نفسها بالجانب التربوي أيضا. ووفق ذلك، لماذا قبول وتقبُّل النقابات "المحتشم" لمشاريعها البهلوانية التي لا تتوقف، وآخرها مشروع ما يسمّى ب"المدرسة الرائدة"، هذه الأخيرة التي تتوخى جودة الخضوع وليس جودة التعلم؟!
فماذا عن المغرب "غير النافع" و"حصته" بالأرقام من مشروع "مدارس الريادة"؟!
وماذا عن بنات وأبناء البادية والمناطق الصعبة والثلجية والحوز، ضحايا الزلزال من هذه "الكعكة" القاتلة؟!
هل المطلوب منهم حقا الانتقال حيث تسود الريادة والجودة و"السعادة" (حتى)...؟!
إنها مشاريع أتت، وإنها مشاريع رحلت وأخرى سترحل، و"الحالة هي هي"...
لقد بات مجال التربية والتكوين حقل تجاربٍ لمختلف المقاربات المُسماة "تربوية"، تماما كما مختلف "الإصلاحات" الهادفة الى خدمة النظام القائم وقاعدته الطبقية. هناك بالفعل "إصلاحات" متتالية، وهو اعتراف بالفشل تلو الفشل، إلا أنها في خدمة النظام القائم وقاعدته الطبقية، أي البورجوازية الكبيرة، بهدف تجهيل شباب شعب وترويضه وتضليله، وبالتالي اعتماد بناته وأبنائه طاقات رخيصة وأدوات لحماية مصالحه الطبقية...
ولعل وفاة مفتشة بمديرية العرائش مؤخرا ونقل زميلة لها في حالة حرجة لمصلحة الإنعاش بمستشفى طنجة، و هذه ليست الحالة الوحيدة، أكبر إدانة للوزارة الوصاية، حيث تنتفي شروط تنزيل مشروع المدرسة الرائدة الذي تتغنى به الوزارة. علما أن أي مشروع طبقي بورجوازي لن يخدم قضية شعبنا وفي مقدمته الطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين الفلاحين الفقراء...
وكحلقة موازية، ينعقد المؤتمر الوطني للكنفدرالية الديمقراطية للشغل (28 و29 و30 نونبر 2025) الذي لن يكون "أجود" (من الجودة) أو "أرود" (من الريادة) من سابقه...!!!
وعندما ننتقد الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، ننتقد أيضا فيدرالية اليسار الديمقراطي، وباقي من يدعي الانتماء الى اليسار، تنظيمات سياسية ونقابية وجمعوية، وأفراد، وشيبا وشبابا، ونساء ورجالا...
إنها معركة، بل ثورة حتى النصر...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق