أبناء الشعب المقهور بين مطرقة التسليع وسندان الواقع المر!!
-حول أحداث سبتة-
لم يقتصر النظام الرجعي العميل للامبريالية والصهيونية على التطبيع مع الكيان الصهيوني في مستوياته السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية...، بل ساهم بشكل مباشر في تصفية القضية الفلسطينية، وهو ما أكده وبشكل ملموس دعمه لما يسمى ب"مجلس السلام" ومشاركته في تشريد وتجويع واعتقال واحتجاز وطرد وإبادة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه. لقد تابعنا ذلك بشكل ملموس من خلال إرسال جنود مغاربة للمشاركة في تصفية ما تبقى من أصحاب الأرض، أي الفلسطينيين، لصالح الكيان الصهيوني، وأصبح يسهر على تنفيذ المخططات الصهيونية في المنطقة عبر إذلال أبناء الشعب المغربي المقهور، والزج بأعداد هائلة من بناته وأبنائه رهينة في يد الكيان الصهيوني وأدرع بشرية لخدمة مصالحه الجيوسياسية. وذلك ما تجسد في دوره في الأحداث الأخيرة بسبتة، حيث إمعان النظام الرجعي العميل في إذلال أبناء الشعب المقهور، مستغلا نجاحه في تفقيره وتجهيله ليقدم للكيان الصهيوني والامبريالية الأمريكية وحلفائها بأوربا خاصة خدمة كالمعتاد للتضييق والضغط على إسبانيا التي عبرت عن مواقف تجاه القضية الفلسطينية (ولو بشكل فوقي/على مستوى الأوراق) لم ترق لحلفاء الأمس، حيث استعمال ما يسمى الهجرة غير النظامية كورقة ضغط سياسي للابتزاز وتمرير رسائل سياسية للضغط على إسبانيا وحملها على تغيير موقفها تجاه القضية؛ وبالتوازي مع الضغط الذي مارسه اليمين في أوربا بمطالبته بطردها من اتفاقية/منطقة شنغن (كإيطاليا وألمانيا...)، خدمة للصهيونية ومخططاتها...
إن وظيفة النظام الرجعي العميل تتجاوز حماية مصالح الصهيونية والإمبريالية بالمنطقة، إذ صار دركيا للحدود خدمة لمصالحها مقابل تقديم الحماية له وبالتالي الاستمرار في استنزاف خيرات هذا الوطن وتفقير أبنائه، فتسليع أبناء الشعب وجعله بضاعة عابرة للحدود أصبح يدار وفق أجندات الصهيونية والامبريالية.
وفي هذا السياق جاء تدخل مباشر لأحد إرهابيي الكيان الصهيوني وهو داني دانون سفير الكيان الصهيوني لدى ما يسمى مجلس الأمن، فقد دخل في سجال علني مع مسؤولين إسبان على خلفية ما أسموه أزمة سبتة، منتقدًا إسبانيا بسبب انتقاداتها لللكيان الصهيوني في سياق الحرب الدائرة على الشعب الفلسطيني، ومشيرًا بسخرية إلى أن مدريد نفسها تواجه أزمة هجرة وحدود. وقد أثارت تصريحاته ردًا إسبانيًا، وحولت أزمة سبتة إلى جزء من التوتر الدبلوماسي الصهيوني–الإسباني.
زد على ذلك، ففي 19 أغسطس 2026 قدم حزب اليسار المتحد الإسباني أسئلة في البرلمان حول ما وصفه بـ «الضغط القسري» "الأمريكي والإسرائيلي" على إسبانيا في ملفات الهجرة والدبلوماسية والتكنولوجيا، وربط ذلك بأزمة سبتة.
من زاوية أخرى إن الأعداد الهائلة التي تدفقت من أجل الهروب من الموت والتي تعد بعشرات الآلاف من كل الأعمار هي صورة مصغرة لطبيعة التناقضات الطبقية التي يعيشها أبناء الشعب، هي مرآة الفوارق الطبقية الصارخة، هي نتيجة لسياسة النظام الرجعي المبنية على تدمير وتجويع أبناء الشعب، هي تكذيب شعارات كل الذين يسوقون الوهم الإعلامي المكثف خدمة لمصالحه وبرامجه، هي تعرية لكل الشعارات الرنانة التي تتغنى بها كل الأطراف السياسية الرجعية والقيادات النقابية والجمعوية البيروقراطية الملتفة حول النظام الرجعي تشويشا ومحاصرة لمعارك أبناء الكادحين ضد كل المخططات التفقيرية المملاة من طرف مؤسسات الامبريالية بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، هي انفجار في وجه الفقر والتهميش والظلم والإذلال كجرائم فرضها النظام الرجعي منذ الاستقلال الشكلي على بنات وأبناء شعبنا، هي تعبير عن عدم الثقة في البقاء في ظل واقعٍ قاسٍ، وبحثًا عن حياةٍ ربما تحفظ لهم كرامتهم وحقهم في العيش الكريم، واقع مؤلم يفضّل فيه أبناء الشعب وبناته مواجهة الموت في البحر على البقاء في وطنٍ لا ولن يوفر لهم الدفء والكرامة، شعب بأكمله في رحلةٍ إلى المجهول تختصر وجعَه ومعاناته، فصار هذا المجهول أرحم من واقعٍ بئيس في ظل نظام رجعي عميل وتبعي، فأي نظام هذا يجعل من البقاء في الوطن أكثر قسوة من الرحيل والموت في البحار؟!
فمن الوهم انتظار قيام النظام الرجعي على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى. ولا غرابة أن يجري التركيز على محاكمة أكباش فداء، كمتابعة ومحاكمة سائقي سيارات أجرة بتهم تتعلق بتسهيل الهجرة. وبالمقابل، يظل السؤال الأوسع والذي يجب طرحه: من المسؤول عن الشروط التي تجعل من شعب بأكمله يرغب، بل يسلك طريق الموت في البحار من أجل البحث عن حياة آمنة؟ أما اختزال أزمة الهجرة في «مهربين» أو سائقين أو أفراد هامشيين، فهو اوتوماتيكيا حجب للأسباب الحقيقية لهذه القضية: البطالة والهشاشة وغياب الخدمات الأساسية والتفاوت الطبقي الصارخ وانسداد آفاق المستقبل والقمع الممنهج والتفقير وانعدام الصحة والشغل... إلخ.
من زاوية أخرى، إذا كانت الضفة الأخرى تسعى إلى جذب اليد العاملة الرخيصة من البلدان التبعية/بلدان الهامش، مستغلة الشروط القاسية التي فرضها النظام الرجعي على أبنائه، فإن الرأسمالية لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج معها البطالة والهشاشة والتفاوت الطبقي، وتخلق ما سماه ماركس «جيش العمل الاحتياطي»؛ أي كتلة من العمال تكون متاحة للرأسمال كلما احتاج إليها. فلا يمكن فصل الهجرة عن بنية الإنتاج وعلاقات الملكية وتوزيع الثروة...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق