هل سننتظر شهر غشت المقبل لنتذكر الشهداء؟!
مر غشت، شهر الشهداء كالعادة، وتم "تخليد" ذكرى الشهداء كسابقاتها وكل حسب طاقته ورؤيته وحتى خلفياته، وعادت كل الأصوات إلى معاقلها، كأن هذه المحطة عابرة وفقط أو فرصة لتسجيل هذا الموقف أو ذاك. طاقات ستختفي وأخرى ستركض ربما إلى حين، وأخرى ستنتظر نفس التاريخ للتخليد مرة أخرى، حيث يمكن لها أن تعبر عن نفسها بأخذ الصور أو تدبيج الخطابات.، إن الظهور في شهر غشت والاختفاء في باقي الشهور نضال موسمي، نضال تحركه الظروف المؤقتة والمناسبات، عوض الالتزام والمسؤولية والاستمرارية.
إن الأفكار تتحول إلى قوة مادية عندما تعتنقها الجماهير الشعبية، وهذا ما علمنا المنهج المادي الجدلي، لذلك فإن نجاح تخليد ذكرى الشهداء لا يقاس بنهايته الرسمية بل بمدة قدرته على تنظيم الصراع الطبقي وتطوير أدوات النضال اليومي، لأن الشهداء لم يسقطوا للدفاع عن أفكار مجردة بل من أجل قضايا ملموسة...
إن الوفاء الحقيقي والوحيد لدماء الشهداء هو الاستمرار في النضال بالارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة وتبني معاركها اليومية، وليس الركوب عليها من أجل مصالح ضيقة. فالمناضل الذي يعجز عن تفجير معارك أو تأطير الجماهير في الجبهة التي ينتمي إليها، أو حتى تعرية طبيعة الصراع في القطاع الذي ينتمي إليه أو حتى المساهمة في فتح نقاش نظري سياسي إيديولوجي نقابي يمكن أن يكون بداية لنقاشات موسعة ربما يساهم في نفض الغبار عن هذا القطاع أو ذاك، بدل الاكتفاء بترديد الشعارات الموسمية أو خطابات للتجذر لا تتجاوز حتى أسوار المقاهي...، إنه أوتوماتيكيا بداية الانحراف عن الخط الثوري. فلا يستشهد الشهداء لكي نكتفي بترديد أسمائهم، بل سقطوا على يد النظام الرجعي القائم وزبانيته، ومن بينها القوى الظلامية، في خضم الصراع الطبقي، ليعبدوا طريق التحرر من استغلال الإنسان للإنسان.
فالشهداء استشهدوا من أجل قضايا ملموسة، وهذه الأخيرة لن ولا يمكن تحقيقها إلا بالتضحية، بالنضال اليومي الميداني، بربط النظرية بالممارسة، بالالتحام بالعمال بمواقع الإنتاج وبالفلاحين الفقراء وكل المظلومين والمحرومين...
إن أقلّ ما يمكن أن نقدّمه للشهداء هو أن نواصل طريقهم، وأن نجسد قضاياهم في نضالنا اليومي، وذلك من خلال النضال والصمود والتضحية، حتى لا تبقى تضحياتهم مجرّد ذكرى على ورق أو على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى لا يبقى تخليد هذه الذكرى أو تلك مجرد محطة موسمية وفقط، بل يجب نضاليا ويستلزم الموقف الثوري أن تتحول الذكرى إلى قوةٍ تدفع نحو التغيير الذي ناضلوا وقدموا دماءهم من أجله.
إن النظام الرجعي يعمل ويسهر بلا هوادة على تمييع الصراع الطبقي وتحريف حقيقته، عبر آليات متعددة، منها فبركة هذه المسرحية أو تلك وخلق إجماع حولها من أجل التضليل وزرع الضبابية وربما تقديم أكباش فداء في قضايا تشغل الرأي العام و...، وكلها مسرحيات يحاول من خلالها تزييف الحقائق وطمسها وحتى تغليط بعض الشعب لبعض الوقت من أجل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
إننا اليوم، نعيش على إيقاع إعادة إنتاج واحدة من مسرحياته السياسية، "الانتخابات التشريعية"، والهدف دائماً هو ضمان بقائه وإحكام سيطرته، وإضفاء شرعية شكلية على مؤسساته، وبالتالي امتصاص الغضب والاحتقان الشعبي، واحتواء الصراع الطبقي داخل حدود لا تهدد مصالح الطبقات المهيمنة (البورجوازية الكبيرة)، وجعلها تستمر في التحكم في مستقبل شعبنا بأكمله.
إن التطبيل لهذه "اللعبة"، والمساهمة في الترويج لها تحت أي مبرر كان، ليس سوى تلميع لصورة النظام الرجعي وإضفاء الشرعية على مؤسساته الرجعية، وصرف الأنظار عن جوهر الصراع الطبقي، والارتهان لمنطق النظام القائم وحلفائه بالداخل والخارج، وخاصة الصهيونية والامبريالية والمؤسسات المالية لهذه الأخيرة.
فالمناضل الحقيقي لا ولن ينشغل إلا بقضايا العمال والفلاحين الفقراء وسائر المقهورين والمظلومين، وبالدفاع عن مصالحهم وحقوقهم، وتنظيم صفوفهم، والمساهمة في بناء وعيهم الطبقي (عاملات وعمال سيكوم سيكوميك بمكناس وعاملات وعمال نماطيكس بطنجة...). فجوهر نضاله هو الانحياز إلى المستغَلّين والمضطهدين، وربط النضال اليومي بالصراع من أجل تغيير واقع الاستغلال والقهر...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق