اختباء الشركات العملاقة وراء شركات المناولة...!!!
نعم، تختبئ الشركات العملاقة وراء شركات المناولة؛ أو بكلمة أوضح تتنصل الشركات العملاقة من مسؤوليتها تجاه العمال بالاعتماد على شركات المناولة، نموذج "مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط".
إن العمل في ظل الرأسمالية لا يحرر الإنسان، بل يستلبه ويحوله إلى مجرد وسيلة للإنتاج (عن كارل ماركس).
الاستغلال الذي يعيشه العامل في أماكن الإنتاج هو عبارة عن شبكة من الآليات المتداخلة في ما بينهما والتي تجعل من العامل ينتج أكثر، ويحصل على أقل، ويتحمل كل المخاطر بدل أن تحمل عنه؛ فإلى جانب معاناته المادية (تدني الأجور، والإستغلال عبر غياب الحماية الاجتماعية والاستغلال عبر ساعات العمل وقساوة شروط العمل... الخ)، يعاني أيضا من انعدام الاستمرار ، حيث يكون عرضة للطرد أو تنقيله إلى أماكن أخرى أو ...، في غياب أدنى شروط الحماية، عبر إضعاف التنظيمات النقابية و تربع القيادات البيروقراطية على رأس أجهزتها؛ مما يجعل العامل عرضة للعزل والفصل ويصعب عليه حتى الانخراط فيها (فقدان الثقة من جهة، وهجوم الباطرونا من جهة أخرى)...
إذن، فإلى جانب الاستغلال الاقتصادي (فائض القيمة) والاستغلال النفسي (الاغتراب) الذي يعاني منه العامل، هناك أيضا عامل أشد خطورة على وضعه، أي الاستغلال عبر "المناولة"، حيث تتجه الشركات الكبرى عبر تنصلها من مسؤوليتها تجاه العامل بالاعتماد على الشركات المناولة مما يتيح لها أرباحا أكثر، حيث تقليل النفقات والتكاليف والزيادة في الإنتاج، وهي منهجية تعتمد عليها الشركات العملاقة في علاقتها مع القوى العاملة، هذه العملية تجعلها تتنصل بالكامل من مسؤوليتها في علاقاتها بالعمال، فتستفيد من كدحه/عمله، ويصبح هو بلا علاقة مباشرة مع المستفيذ الحقيقي (الشركة الأم)، ليجد نفسه وجها لوجه مع شركات مناولة، وبعضها ذات أسماء وعناوين وهمية لتزداد معاناته ويتعقد وضعه (مجرد أداة إنتاج وغريب عن عمله وبدون تأمين صحي وغياب التقاعد وانعدام التعويضات وإمكانية الطرد في أي وقت وغياب الضمانات و..
الخ)؛ في المقابل تحظى هذه الشركات المناولة بالحماية والدعم الكامل من طرف الشركة الأم. إنه نموذج صارخ تعيشه الطبقة العاملة اليوم في أماكن الإنتاج مع الشركات/المجموعات الكبرى، ونخص بالذكر مجموعة المدى التابعة للهولدينغ (حيث تمتلك عشرات الشركات العملاقة في مختلف القطاعات: مناجم وبنوك واتصالات وتوزيع واستهلاك...)، حيث تعتمد هذه الشركات على الشركات المناولة (مئات الشركات تعمل لصالحها) ومم بينها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، حيث تتجاوز حسب التقديرات عدد شركات المناولة أكثر من 500 شركة بمناجم خريبكة فقط. فما بالك بمناجم اليوسفية وبنجرير وبوكراع...؟!
وهناك أيضا المركبات الكيماوية (أسفي والجرف الاصفر ...) واللوجيستيك ( أنابيب وموانئ ونقل...)؛
هذا الحجم الكبير يفرض عليه الاعتماد على شركات مناولة في مجالات متعددة (الخدمات التقنية والنقل والصيانة والنظافة والحراسة...). فدائماً تتمثل الأهداف في تقليل المخاطر المرتبطة بالإنتاج أو التشغيل وحتى ما يسمى القانونية منها والتحكم في الإنتاج والزيادة في الربح، وفي الجانب الآخر ينعكس سلبا على أوضاع العمال، حيث انعدام الاستقرار المهني هو العنوان البارز ، أي أن عمال المناولة غالبًا ما يشتغلون بعقود مؤقتة أو غير مستقرة، مما يجعلهم عرضة لفقدان العمل في أي وقت، خصوصًا عند انتهاء العقد بين الشركة الأم وشركة المناولة. وفي كثير من الحالات، يتقاضى عمال المناولة أجورًا أقل مقارنة بعمال الشركة الأصلية، رغم أنهم قد يؤدون نفس المهام أو مهام مشابهة أو أصعب منها.
إن 95٪ من شركات المناولة لا توفر على تغطية صحية كافية أو تأمينات اجتماعية قوية، ما يجعل العمال في وضع هش عند المرض أو الحوادث.
وقد يُجبر العمال على العمل لساعات طويلة أو في ظروف غير مريحة، مع ضغط كبير لتحقيق إنتاجية عالية دون تعويض مناسب.
هناك تمييز بين عمال الشركة الأصلية وعمال المناولة (الرواتب والامتيازات وحتى المعاملة اليومية)، مما يؤثر نفسيًا على العمال.
إن عمال المناولة يجدون صعوبة في الانخراط في النقابات أو الدفاع عن حقوقهم، بسبب طبيعة عقودهم أو خوفهم من فقدان العمل. فنادرًا ما يحصل عمال المناولة على فرص للتطور المهني أو الترقية داخل الشركة الكبرى/الأم إن لم نقل غائبة تماماً، لأنهم لا يُعتبرون جزءً مباشرًا منها. إن الشركة الأم تحاول تقليل مسؤولياتها، فتُنقل كل المخاطر، مثل الحوادث أو تقلبات السوق إلى شركات المناولة، وبالتالي إلى كاهل العمال.
إنها معاناة بالجملة يعيشها العمال في أماكن الإنتاج في صمت، من جهة هجوم رأس المال على ما تبقى من مكتسبات مادية واجتماعية للعمال، ومن جهة أخرى تواطؤ القيادات البيروقراطية للنقابات مع الباطرونا، هذا الوضع ينعكس بشكل سلبي على أوضاع العمال بشكل عام، لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدا في شركات المناولة.
الكل "مقدس" في المكتب الشريف للفوسفاط، الاسم "مقدس"، الإنتاج "مقدس"، القيادات البيروقراطية للنقابات والمطبلين لها "مقدسين"... إن الوضع يشبه زنزانة ذات مساحة كبيرة، حراسها يملكون كل وسائل المراقبة، فأي تفكير يصب تتجاه العمل النقابي الكفاحي يتم إقباره قبل الولادة، الإرهاب النفسي والمادي والمعنوي يمارس على العمال ببشاعة، حيث تُفرض الطاعة والانضباط في كل شيء، بالمقابل يُرفض أي تنظيم جماعي قد يطالب بالحقوق، إنه خط أحمر...
هكذا إذن وضع العامل، لا يسلب نتاج عمله فقط بل تسلب إنسانيته وعقله، لأنه يصبح في هذه الشروط مجرد امتداد للآلة، وهنا تكمن العبودية الفكرية، وهي أشد خطرا، لأنها تجعل العامل شريكا في استعباد نفسه، وتجعله أسيرا في فكره قبل أن يكون أسيرا في جسده.
هكذا يتم ترسيخ هيمنة رأس المال داخل أماكن العمل و يختل ميزان القوة بشكل واضح لصالحه، فتُفرض كل القيود خدمة للربح على حساب الكرامة والحقوق...
فمزيدا من الفضح ومزيدا من النضال من أجل كسر قيود العبودية الجديدة كسبيل للتحرر والانعتاق...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق