"نضال" فاتح ماي بين الذاكرة النضالية وهيمنة البيروقراطية النقابية...
يُخلَّد فاتح ماي من كل سنة باعتباره يوما أمميًا للطبقة العاملة، ارتبط تاريخيًا بنضالات العمال من أجل تحسين شروط العمل وانتزاع الحقوق. غير أن هذه المحطة التي يفترض أن تكون لحظة للتعبئة والاحتجاج والتقييم والتصعيد، أصبحت في كثير من السياقات، تخضع لهيمنة القيادات البيروقراطية داخل النقابات، وذلك ما أفقدها جزءً كبيرًا من روحها الكفاحية والنضالية.
لقد أفرزت طاحونة الصراع الطبقي والعمل النقابي بالخصوص، عبر عقود وصفقات"مافيا" من القيادات التي استقرت في مواقعها التنظيمية القيادية، وأصبحت تمارس نوعا من الاحتكار للقرار النقابي والتنظيمي والتسلط، هذه البيروقراطية التي تحولت إلى حجر الزاوية في تلجيم وسد منيع في وجه نضالات الطبقة العاملة وعموم الشغيلة، والتي تدير العمل النقابي وتتحكم فيه بمنطق استرزاقي أكثر منه نضالي. وهو ما تؤكده الأحداث في محطات عدة وبوضوح في كيفية تنظيم وتخليد فاتح ماي، العيد الأممي للعمال (يا عمال العالم اتحدوا)...
فبدل أن يكون هذا اليوم مناسبة لتجديد النفس النضالي وتقييم الفعل النقابي ورص صفوف القواعد وطرح المطالب الحقيقية للعمال، يتم اختزاله في مسيرات محدودة الحضور وخطابات هزلية معدّة سلفًا، وتعكس توازن القيادات أكثر مما تعكس انتظارات القواعد. كما أن الشعارات المرفوعة في هذه المناسبة هي شعارات فضفاضة عامة ومتكررة وجوفاء، تفتقر حتى إلى الوضوح المطلبي وتصب تجاه الإجماع والطاعة والسلم والولاء وخدمة مخططات النظام الرجعي القائم ومصالح الباطرونا...
إن تحكم البيروقراطية النقابية في تفاصيل تخليد فاتح ماي لا يقتصر على الشكل، بل يمتد إلى المضمون أيضًا. إذ يتم ضبط سقف المطالب بما يتلاءم مع علاقات القيادات مع النظام الرجعي أو أرباب العمل(مالكي وسائل الإنتاج)، مما يؤدي إلى إفراغ هذه المحطة الأممية من بعدها الاحتجاجي الكفاحي. وهكذا يتحول فاتح ماي من يوم للمطالبة والتصعيد إلى مناسبة “مؤطرة” تحافظ على الاستقرار والسلم والولاء أكثر مما تدفع نحو التغيير...
هذا الوضع ساهم في تعميق أزمة الثقة بين العمال والعمل النقابي، حيث باتت فئات واسعة من الأجراء تنظر إلى النقابات باعتبارها بعيدة عن انشغالاتها اليومية، وأداة فقط للسمسرة والعسكرة وتصفية العمال عوض خدمتهم. ولعل ما عانته وتعانيه مجموعة من القطاعات الواسعة في قطاع الإنتاج يثبت مدى تحول القيادات البيروقراطية إلى عصابات/مافيات ضد العمال والعمل النقابي الجاد...
وأمام أعيننا تجربة عاملات النسيج بمكناس (سيكوم سيكوميك) التي فاقت خمس سنوات والتي ذاق فيها العاملات والعمال مرارة الانتماء وأدوا ضرببة القيادة البيروقراطية للكنفدرالية الديمقراطية للشغل التي عبرت بوضوح عن اصطفافها إلى جانب الباطرونا، ولم تستحضر حتى تاريخ العاملات والعمال في صفوفها والتي تجاوزت ثلاثين سنة من النضال تحت مظلتها، زد على ذلك معارك عمال في قطاعات عدة كقطاع المناجم الذي لازال عماله مطرودين ومعتصمين (أمجران وهو منجم النحاس التابع للهولدينغ المدى)، وأيضا عمال الحليب ومشتقاته وعمال النظافة وعمال النسيج الذين لقوا نفس المصير بطنجة، والآن مئات العمال التابعين لشركات المناولة والتي تعمل لصالح مجموعة "المكتب الشريف للفوسفاط" سواء بخريبكة أو أسفي أو الجرف الاصفر بالجديدة لقت نفس المصير وهو الطرد في صمت تام للنقابات والتي تثبت بأنها أداة في يد الباطرونا...
إن صمت القواعد النقابية في علاقاتها مع القيادات البيروقراطية للنقابات هو في حد ذاته موقفا سياسيا يزكي ويشرعن ويبارك ويقدم الولاء ليس فقط للقيادات البيروقراطية للنقابات بل لكل مخططات النظام القائم و لكل مؤامرات الباطرونا...
فها هو فاتح ماي قد مر كسابقيه في جو مأزوم، مسيرات وخطابات روتينية، حضور باهت ومن أجل الحضور وفقط، شعارات رنانة، نفس الوجوه، مناضل هنا وهناك يبحثون عن تبريرات وهمية!!!
إن مهمة المناضل الثوري ليست فقط “فضح” البيروقراطية، بل مواجهتها عمليا وتفكيكها والارتباط بالقاعدة العمالية في كل مواقع الانتاج، من أجل تأطير العمال عمليا وتفجير معارك عمالية ونشر ثقافة تحررية بدل ثقافة الذل والخنوع والخضوع والولاء التي تخدم مصالح الباطرونا، والقادرة وحدها على تغيير موازين القوى لصالح العمال.
ومن المهام الجوهرية كذلك، العمل على رفع وعي العمال بطبيعة التحديات التي تواجههم، سواء كانت مرتبطة بتحولات سوق الشغل أو بسياسات ومخططات النظام الرجعي. ففاتح ماي يجب أن يكون مناسبة للتثقيف السياسي والنقابي بقدر ما هو لحظة احتجاج، حيث يتم توضيح الرهانات الحقيقية للصراع الطبقي، وتجاوز كل الاشكال الفوقية والاحتفالات المشبوهة نحو تحليل ملموس للواقع الملموس.
فلا يمكن لذكرى فاتح ماي أن تستعيد معناها إلا بمدى قدرة المناضلين على تحويلها إلى لحظة فعل حقيقي، يتجاوز الطقوس الشكلية. إنها ليست مجرد ذكرى تُخلّد، بل معركة نقابية وسياسية تُخاض، ويتحدد من خلالها جزء من مستقبل الحركة العمالية.
فانتظار "المناضل" لمثل هذه المحطات النضالية أي محطة فاتح ماي ليثبت حضوره من خلال أخذ صور موسمية استعراضية إلى جانب العمال فهو تعبير عن انتهازيته وقصر فهمه لطبيعة الصراع الطبقي.
فليس المناضل من لا يواجه صعوبات، بل من يحاول إيجاد هامش أو موطئ فعل داخل تلك الصعوبات، حتى لو كانا محدودين.
إن الوعي الثوري لا يتطور في الفراغ، بل من خلال الاحتكاك المباشر بصراعات العمال؛ الإضرابات والمواجهة مع الباطرونا ومعارك الأجور والحقوق…، هذه هي “المدرسة النضالية الحقيقية”...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق