مدن/مناطق تنتج الثروة وتغرق في البؤس والحرمان: خريبكة واليوسفية واسفي...
عندما يشعر الإنسان بأن الوطن مجرد رقم!!
مدن ومناطق ببلادنا تنتج الثروة، لكنها مهمشة ومعزولة...!!!
مدينة تنتج الفوسفاط وكل مشتقاته من أسمدة و... الخ، وتنام جائعة؛
مدينة تنتج الثروة للآخرين، لكن شوارعها لا زالت تبحث عن الأمل لأبنائها وبناتها، تبحث عن مدرسة تليق بهم ومستشفى لمرضاها،
مدينة هرمت ساكنتها من الانتظار والتهميش والحرمان!!
كل شيء يمر عبرها، الإنتاج والأرباح...، إلا الكرامة!!
إنها خريبكة المنكوبة، وإلى جانبها اسفي واليوسفية...
في قلب المدينة والنواحي
تعيش الساكنة كل أنواع البؤس والحرمان والتفقير والتهميش، بالمقابل هي مدينة تنتج الثروة للعالم كله. هذه المفارقة المفضوحة ليست حدثاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لطبيعة الإنتاج الرأسمالي القائم على الاستغلال وانتزاع فائض القيمة من العمال والمناطق المهمشة. فالمدينة التي تنتج الفوسفاط للعالم قد تبدو من الخارج مركزاً للحركة الاقتصادية، لكن ساكنتها، تعيش والشباب بالخصوص العطالة والتهميش والسكن الهش وغير اللائق والأجور المتدنية؛ وما بالك ببقية بنات وأبناء الشعب وبمختلف المناطق المعزولة (غير النافعة)... إنّها مدينة تعمل من أجل الآخرين (الرأسمال)، بينما تُسرق ثمار عملها يومياً وكذلك خيراتها من طرف النظام الرجعي القائم والكيان الصهيوني والأنظمة الامبريالية، وبالخصوص أمريكا...
فلا تُقاس ثروة المدينة بما تنتجه، بل بمن يملك وسائل الإنتاج ومن يستفيد من العائدات. فحين تكون المصانع مملوكة للشركات الكبرى، يتحول العمال إلى مجرد أدوات لإنتاج الأرباح. تُشحن المواد الخام والبضائع إلى الأسواق العالمية، بينما تبقى الأحياء الشعبية غارقة في التهميش. وهنا يظهر التناقض الطبقي بوضوح: شركات تحقق الملايير مقابل عمال لا يملكون ثمن العلاج الناتجة عن الأمراض المهنية أو حتى حق السكن اللائق وحق التعليم لأبنائها وبناتها...
إن المدينة الفقيرة المنتجة للثروة ليست استثناءً، بل نموذجا متكررا في الأطراف البئيسة التابعة للنظام الرأسمالي الوحشي. لقد أصبحت الشركات متعددة الجنسيات والبنوك والمؤسسات المالية أدواتٍ جديدة لنهب القيمة من المجتمعات المحلية. يُطلب من المدينة أن تنتج أكثر، أن تعمل أكثر، أن تستهلك أقل، بينما تُحوَّل الأرباح إلى المراكز الرأسمالية الكبرى. وهكذا تصبح المدينة سجناً اقتصادياً: تنتج بلا توقف لكنها تعيش على البقايا والنفايات...
إن الفقر المدقع في هذه المدن ليس نتيجة “الكسل" أو “سوء التدبير" كما تدّعي الأيديولوجيا البرجوازية، بل نتيجة بنية اقتصادية سياسية رجعية تبعية تجعل التفاوت الطبقي ضرورة لاستمرار الربح. فالرأسمالية تحتاج دائماً إلى يد عاملة رخيصة، وإلى مناطق مهمشة تُستنزف مواردها البشرية والطبيعية. لذلك تُهمَّش الخدمات العامة، ويُترك الشغل والصحة والتعليم في حالة انهيار دائم في خدمة الرأسمال، لأن الاستثمار الحقيقي موجَّه نحو ما يحقق الربح لا ما يحقق الكرامة الإنسانية والاستقرار...
من زاوية أخرى تعتبر مجموعة "المكتب الشريف للفوسفاط" واحداً من أكبر منتجي الفوسفاط والأسمدة في العالم، وهو يشكل العمود الفقري للاقتصاد في البلاد في قطاع المعادن والصادرات، حيث يملك المغرب حوالي 70% من احتياطي الفوسفاط العالمي، ما يمنح المجموعة أهمية استراتيجية عالمية.
بحسب التقارير المالية الأخيرة، تجاوز رقم معاملات المجموعة حوالي 97 مليار درهم سنة 2024، مع استثمارات ضخمة في الصناعة والطاقة وتحلية المياه، زد على ذلك أن المجموعة ("المكتب الشريف للفوسفاط") أعلنت عن برنامج استثماري يفوق 130 إلى 139 مليار درهم بين 2025 و2030 لتوسيع إنتاج الأسمدة والتحول الطاقي.
لكن المدن لا تموت بالتهميش والتفقير والإقصاء، فالمدن التي يصنعها العمّال والكادحون تعرف كيف تنهض وتحيا...
ففي كل وجهٍ أنهكه الانتظار،
توجد حقيقة واحدة لا يمكن إخفاؤها: من يصنع الثروة يستحق الحياة، لا التفقير أو الموت البطيء...
إن هذه المدينة تحمل في داخلها أيضاً بذور التغيير. ففي كل الأحياء يتشكل الوعي الطبقي تدريجياً ويدرك العمال أن الثروة التي ينتجونها بعرقهم ودمهم ليست قدراً بعيداً عنهم، بل حق مسلوب منهم. ومن هنا تنشأ بداية التفكير في المستقبل المسلوب، وهنا أيضا يكمن دور المناضل الثوري في تطوير الوعي السياسي، وهنا تبرز الحاجة إلى التنظيم الثوري. فالتاريخ، ليس تاريخ مالكي وسائل الإنتاج والشركات الكبرى، بل تاريخ صراع طبقي، بين من يملك وبين من لا يملك، بين طبقة مستغلة (بكسر الغين)، وأخرى مستغلة (بفتح الغين).
إن المدينة التي تنتج الثروة وتعيش الفقر تكشف الحقيقة الجوهرية للنظام الرأسمالي، حيث الهدف ليس تلبية حاجيات الإنسان، بل تعظيم الأرباح. ولهذا فإن تحرر المجتمع لا يكون بالمشاريع الدعائية أو بالإصلاحات السطحية، بل بإعادة توزيع الثروة نفسها، بحيث يصبح المنتجون الحقيقيون للثروة هم أصحاب القرار والتقرير في مصيرها، وهذا لن ولا يتحقق إلا بثورة شعبية مظفرة بقيادة الطبقة العاملة.
الحقيقة التي لا يمكن دفنها هي أن الشعوب التي تنتج الثروة، أي الحياة، لا يمكن أن تبقى صامتة إلى الأبد.
فمن يخلق الثروة يستحق أن يعيش سعيدا وبكرامة، لا أن يبقى أسيراً للفقر والتهميش والحرمان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق