"المكتب الشريف للفوسفاط" والهجومات المتتالية على حقوق العمال...
إن الرأسمالية خاصة في مراحلها المتقدمة، تسعى باستمرار إلى زيادة الأرباح عبر رفع معدل استغلال قوة العمل. وعلى هذا الأساس، لا يُنظر إلى الهجوم على حقوق العمال بوصفه ظاهرة عرضية، بل كجزء من ديناميات التنافس والتراكم الرأسمالي. ويستند هذا التحليل إلى مفهوم فائض القيمة الذي صاغه كارل ماركس، حيث يحقق رأس المال أرباحه من خلال الفرق بين القيمة التي ينتجها العامل خلال يوم العمل والأجر الذي يتقاضاه.
إن هجوم الرأسمال على الطبقة العاملة قد يتخذ أشكالًا متعددة، منها:
- الضغط لتخفيض الأجور الحقيقية مع ارتفاع تكاليف المعيشة؛
- توسيع مجال العمل المؤقت والهش والعقود قصيرة الأجل؛
- إطالة ساعات العمل أو زيادة كثافة العمل دون زيادة مماثلة في الأجور؛
- إضعاف التنظيم النقابي؛
- الاعتماد على شركات المناولة وإعادة هيكلة المؤسسات، بما يخفض كلفة العمل...
إن تشتت الطبقة العاملة اليوم بين قطاعات مختلفة، وانتشار المقاولات المناولة، كلها عوامل تحد من التضامن والتنظيم الجماعي؛ وهو ما يُنظر إليه باعتباره عنصرًا يعزز موقع رأس المال في علاقات العمل. وفي المقابل، فالدفاع عن حقوق العمال يتطلب تقوية التضامن، وتوسيع أشكال التنظيم العمالي، وربط النضال من أجل تحسين شروط العمل بنقد أوسع للبنية الاقتصادية للرأسمالية.
إن الشركات العملاقة نجحت إلى حد ما في الحد من نضالات العمال وإضعافها عبر تشتيت قوتهم وشراء القيادات النقابية البيروقراطية التي أصبحت تشكل العقبة الكبرى في نضالات العمال. ولعل تجربة "المكتب الشريف للفوسفاط" في علاقته بنزع ما حققته الطبقة العاملة من حقوق عبر عقود من الزمن من النضال تؤكد وبالملموس هذا الهجوم. فمن فرض العقود المؤقتة، وتخفيض الأجور، ونزع جل المكافآت، الى الاستفادة من فنادق العطل.. إلخ. واليوم يؤكد "المكتب الشريف للفوسفاط" مرة أخرى عزمه على القضاء نهائيا على كل هذه الحقوق بإقراره عدم احتساب ساعات العمل الإضافية، في ظل الصمت الرهيب للقيادات النقابية البيروقراطية، وحتى القوى السياسية!! فلم يكن تحديد يوم العمل بثماني ساعات هدية من أصحاب العمل، بل جاء بعد سنوات طويلة من نضال العمال والإضرابات البطولية والمطالبة بظروف عمل إنسانية. فالعمل لساعات طويلة يؤدي إلى الإرهاق، ويؤثر في الصحة والحالة النفسية للعامل، ويحرمه من أسرته وتعليمه وراحته وصحته...
إن تقليص ساعات العمل إلى ثماني ساعات يهدف إلى تحقيق التوازن بين العمل والحياة، وزيادة الإنتاجية، وصون كرامة العامل باعتباره إنسانًا له حقوق، لا مجرد وسيلة للإنتاج.
وستظل الطبقة العاملة محدودة القدرة على الدفاع عن مصالحها ما لم تكتسب وعيًا تحرريًا يمكنها من فهم علاقات الاستغلال والتنظيم الجماعي من أجل تحسين أوضاعها. وبصيغة أخرى، تبقى ضعيفة ومشتتة ما لم تتشبع بفكر تحرري يعزز وعيها الطبقي وقدرتها على التنظيم والدفاع عن حقوقها.
وهذا كله يصب في اتجاه مفهوم الوعي الطبقي للعمال بوصفه العامل الحاسم في الصراع، أي انتقال العمال من إدراك مشكلاتهم الفردية إلى فهم موقعهم المشترك داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية، بما يمكنهم من العمل الجماعي لتحقيق مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق