عامان عن اعتصام عاملات وعمال النسيج سيكوم ميك بمكناس...
سنتان مرت عن الاعتصام المفتوح... صمود يتجدد حتى انتزاع الحقوق المسلوبة.
ليست الإضرابات العمالية أحداثًا منفردة أو استثنائية تفرضها ظروف متقطعة عابرة، بل هي تعبير مباشر عن التناقض الجوهري بين العمل ورأس المال. فمنذ نشأة النظام الرأسمالي، وجد العمال أنفسهم مضطرين إلى بيع قوة عملهم من أجل البقاء ومن أجل الاستمرار في الحياة، بينما يستحوذ مالكو وسائل الإنتاج/أصحاب رأس المال على فائض القيمة الذي ينتجه الكادحون. ومن هذا التناقض تنشأ أشكال متعددة من المقاومة، ويأتي الإضراب في مقدمتها بوصفه أداة نضالية جماعية للدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية وتحسين شروط العمل وإعادة صياغة ميزان القوى بين الطبقات.
ولا يقتصر الإضراب، في هذا الإطار، على كونه وسيلة للضغط من أجل مطالب مهنية أو اقتصادية، بل يمثل لحظة/محطة يتبلور فيها الوعي الطبقي وينتقل العمال من مواجهة مشكلاتهم الفردية إلى إدراك مصالحهم المشتركة بوصفهم طبقة تواجه مصالح طبقة أخرى. لذلك، كانت الإضرابات العمالية عبر التاريخ محطات حاسمة في تطور الحركة العمالية، ليس فقط لما حققته من مكاسب اجتماعية، بل أيضًا لما أسهمت به في بناء التنظيم وتعزيز التضامن وترسيخ ثقافة النضال الجماعي المنظم.
في هذا السياق، عاشت الطبقة العاملة نضالات بطولية منذ الاستقلال الشكلي إلى يومنا هذا، فمن نضالات عمال الفوسفاط وإضرابات الفلاحين وإضرابات عمال الموانئ والنقل والسكك الحديدية و ..، الى إضرابات عمال المناجم مرورا بإضرابات عمال أمانور، النظافة، الحليب ومشتقاته و ..، ثم إضرابات عاملات النسيج بمكناس، هذه الأخيرة، ورغم قساوة وضعية العاملات وتكالب أطراف عدة، كان أبرزها القيادة البيروقراطية للكنفدرالية الديمقراطية للشغل التي تحالفت مع الباطرونا ضد العاملات، بل أصبحت اليد اليمنى لها وبوقا لها، حيث لم تقتصر على هذا السلوك الانتهازي في التواطؤ المكشوف مع الباطرونا ضد العاملات، بل تابعتهن في محاكم النظام الرجعي بتهم صورية، ولم يشفع لها تاريخ انخراط العاملات والعمال لأكثر من ثلاثين سنة تحت مظلتها. إنها معركة أعطت دروسا في النضال والصمود والمواجهة، معركة بطولية في زمن الردة والخيانة والتراجعات، معركة فاقت خمس سنوات، أستشهد (بضم الألف) من أستشهد من بينهن جراء الأمراض المهنية التي أصيبوا بها في مراحل الاستغلال لأكثر من ثلاثين سنة، طرقت(بضم الطاء) فيها كل الأبواب، أعطيت (بضم الألف) فيها وعودا كاذبة و ..إلخ. واليوم تحل علينا السنة الثانية من الاعتصام المفتوح في الشارع العام، عامان على الاعتصام المفتوح للعاملات:
صمود يتجاوز الزمن...
عامان من الصمود والثبات في مواجهة ظروف صعبة وتحديات متواصلة. لم يكن هذا الاعتصام مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل أصبحت محطة ورمزًا للمطالبة بالحقوق المشروعة المغتصبة والدفاع عن الكرامة الإنسانية، في الوقت الذي تتغنى جل الجهات/التنظيمات من أحزاب وقابات وجمعيات...إلخ، بشعاراتها الرنانة والمضللة والمكشوفة والخداعة، والتي تصب في تجاه خدمة مخططات النظام الرجعي.
خلال هذين العامين، أثبتت العاملات والعمال أن الإرادة الجماعية قادرة على مواجهة مختلف أشكال التهميش والإقصاء والإرهاب والقهر. ورغم طول مدة الاعتصام وما رافقها من معاناة اجتماعية واقتصادية ونفسية، ظل المعتصمون والمعتصمات متمسكين بمطالبهم المشروعة، مقتنعين بأن الحقوق لا تتحقق إلا بالنضال.
لقد كانت هذه الفترة مليئة بالتضحيات، حيث تحمل العمال والعاملات وأسرهم أعباءً كبيرة، لكنهم في المقابل قدموا نموذجًا في التضامن والوحدة والإصرار. كما شكل الاعتصام رسالة واضحة مفادها أن الحقوق العمالية ليست امتيازات.
إن هذه الذكرى ليست مناسبة لاستحضار المعاناة فحسب، بل أيضًا لتجديد العهد على مواصلة النضال حتى انتزاع الحقوق المسروقة.
مرت عامان على الاعتصام المفتوح للعمال والعاملات، عامان لم يكونا مجرد زمن من الانتظار أو الاحتجاج، بل شكّلا مدرسة نضالية كشفت طبيعة الصراع القائم بين العمل ورأس المال، وبين المنتجين الحقيقيين للثروة والقوى التي تستحوذ على نتائج عملهم.
ان هدف مالكي وسائل الإنتاج هو تحميل الطبقة العاملة كلفة الأزمات الاقتصادية، بينما تستمر الأرباح في التدفق إلى أصحاب الرساميل. ومن هذا المنظور، فإن ما يعيشه العمال ليس خللًا تقنيا عابرا ، بل تعبير عن تناقضات بنيوية داخل النظام الرأسمالي نفسه.
لقد أثبت المعتصمون والمعتصمات، خلال عامين من الصمود، أن قوة العمال لا تكمن فقط في عددهم، بل في وحدتهم وتنظيمهم واستعدادهم للدفاع عن حقوقهم. فالاعتصام لم يعد مجرد وسيلة للمطالبة بالحقوق المنزوعة، بل تحول إلى فضاء لإنتاج الوعي الطبقي الجماعي، حيث يدرك العمال، من خلال تجربتهم المشتركة، أن حقوقهم لا تُمنح من أعلى، وإنما تُنتزع بالنضال المنظم.
لقد حاولت مختلف أدوات وأجهزة النظام الرجعي وأصحاب رؤوس الأموال ، بدرجات متفاوتة، إضعاف هذا النضال عبر المماطلة والتشويش والمحاكمات الصورية والإرهاب بكل أشكاله واستنزاف المعتصمين والرهان على تعبهم وتشتتهم؛غير أن استمرار الاعتصام طوال هذه المدة يؤكد أن إرادة العمال والعاملات قادرة على مواجهة سياسات الإنهاك وأن التضامن الطبقي يظل السلاح الأهم في مواجهة محاولات العزل والتفريق.
إن أي معركة من معارك العمال لا تنفصل عن المشروع الأوسع لتحرير العمل من الاستغلال. فكل معركة من أجل الزيادة في الأجر أو الاستقرار أو تحسين شروط العمل أو الكرامة، تمثل جزءً من الصراع الطبقي من أجل مجتمع تكون فيه الثروة التي ينتجها العمال في خدمة المجتمع، لا أداة لتراكم الأرباح في يد الأقلية.
إن مرور عامين على الاعتصام يدعو إلى تقييم التجربة واستخلاص دروسها. وأهم هذه الدروس أن التنظيم والوحدة الميدانية والتضامن بين مختلف فئات الكادحين، هي شروط أساسية لتعزيز ميزان القوى لصالح العمال. زد على ذلك أن عزل أي نضال عمالي عن بقية الحركات الاجتماعية يضعفه، بينما الارتباط بقضاياالجماهير الشعبية يمنحه قوة أكبر وأفقًا أوسع.
في هذه الذكرى، لا يكون الوفاء للمعتصمين والمعتصمات بمجرد الإشادة بصمودهن/هم، بل بالعمل على توسيع دائرة التضامن، والانخراط في كل المعارك العمالية، وربط المطالب الآنية بالأفق التاريخي لتحرر الطبقة العاملة من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد الطبقيين...
لقد مر عامان، لكن الاعتصام يذكرنا بأن الزمن في مسيرة الشعوب والطبقات الكادحة، لا يُقاس بطول الانتظار، بل بعمق الوعي الذي يولده النضال، وبالقدرة على تحويل المعاناة إلى قوة جماعية تدفع عجلة التاريخ نحوالتحرر من الاستغلال والقهر الطبقيين...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق