الاستهلاك والتفاهة والخضوع...، مقابل معارك العمال...
إن النظام الرأسمالي المتعفن لا يقوم على تنظيم عملية الإنتاج وتوزيع الثروة وفقط، بل يعمل جاهدا أيضًا على إعادة إنتاج شروط استمراره عبر مجالات عدة، الاقتصاد والثقافة والسياسة والإعلام...، ففرض نمط إنتاج معين لا يتم فقط عبر امتلاك وسائل الإنتاج، بل كذلك عبر تشكيل الأفكار والقيم وأنماط السلوك التي تجعل هذا النمط يبدو طبيعيًا ومقبولًا.
إن بنية النظام الرأسمالي القائمة على الاستغلال والاضطهاد الطبقيين، حيث سيطرة رأس المال على وسائل الإنتاج، إذ تحدد علاقات الملكية طبيعة العلاقة بين أصحاب رأس المال والعمال (وهي علاقة صراع وتناحر)، هذه البنية تؤدي إلى استمرار علاقات مثل العمل المأجور وتراكم رأس المال، بحيث تصبح حاجات السوق ومنطق الربح محركين أساسيين لتنظيم هذا الاقتصاد.
وتمتد هاته الهيمنة إلى الثقافة وأنماط الحياة، حيث أن استمرار هذا النظام المتعفن رهين بقدرته على إنتاج قبول ثقافي وأفكار تبدو بديهية داخل المجتمع؛ حيث أن جعل هاته الثقافة مسيطرة ومقبولة ومستهلكة ومن الأولويات، والهدف منها تحويل الأفراد إلى مستهلكين والى أكياس فارغة أو متفجرات خامدة، تحركها أيادي مالكي وسائل الإنتاج لأغراضها الاقتصادية والسياسية و...، حيث تتداخل الثقافة الرجعية والاستهلاك كأدوات لصناعة الوعي المزيف، وتصبح جزء من دورة الإنتاج. والنظام الرجعي القائم ببلادنا باعتباره نظاما تبعيا عميلا، يعمل جاهدا وبتوجيه من مراكز القرار (الامبريالية والصهيونية والرجعية)، بالسيطرة على إنتاج الوعي المزيف، حيث أن الطبقات المسيطرة لا تحافظ على نفوذها بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج منظومة من الأفكار والقيم والحفاظ على التقاليد والعادات التي تجعل النظام القائم يبدو طبيعيًا أو صعب التغيير، وتجعل من المواطن إنسانا مطيعا وخنوعا ومستهلكا، يدافع وبشراسة بوعي أو بدونه عن ثقافة الاستهلاك والإلهاء التي يروجها النظام القائم، وهذا ما عشناه وبشكل ملموس في متابعة مباريات كرة القدم، حيث يتم شحن وحقن المواطن العادي والفقير والمعدم بواسطة أبواق وأدوات مشتعلة تنفجر بمجرد فوز هذا الفريق أو ذاك؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت الطقوس الكروية وبشكل جنوني، ونعيش ذلك أيضا من خلال متابعة مهرجانات العار، حيث يعج بالآلاف للبهرجة والميوعة وإحياء السهرات متناسين مشاكلهم اليومية المتفاقمة...
في مكناس وكباقي مدن ومناطق البلاد، الإنسان منفصل عن ذاته وفاقد للسيطرة على أفكاره ومشاعره وقراراته، يعيش وفق توقعات الآخرين بدلًا من قناعاته الخاصة، منصات للتفاهة، لا تبعد عن معتصم عاملات وعمال سيكوم ميك إلا عشرة امتار تعج بآلاف المتتبعين، وينظرون إلى العاملات والعمال بالمعتصم كأنهم غرباء و يسقطون مشاعر الإحباط والعجز التي يعيشونها عليهم، كأنهم سبب معاناتهم، فهم لا يرونهم ذواتًا مستقلة يمكن التعاون معها، بل ينظرون إليهم من خلال مشاعر الخوف أو المنافسة أو التهديد، لأن علاقتهم بذاتهم نفسها أصبحت مضطربة. وهذا يجعل بناء الثقة والتواصل أكثر صعوبة. فلا يتجرأ حتى على المرور أمام المعتصم، فما بالك أن يتضامن مع العاملات والعمال. ولم لا وهن، أي العاملات، اللواتي قضين أكثر من خمس سنوات مشردات، وعامين على الاعتصام المفتوح في الشارع العام، لا لشيء إلا لأنهن طالبن بحقوقهن المشروعة، وهو نفس الشيء عشناه مع التظاهرات المتضامنة مع فلسطين، حيث تمر المسيرة قرب المعتصم وترفع أصوات وشعارات ومواقف ولا يلتفت إلى المعتصم!! وهو نفس الشيء عشناه مع مباريات كرة القدم حيث تخرج أفواج من كل الأعمار لتعبر عن فرحتها وبشكل هستيري بفوز هذا المنتخب أو ذاك ولا تبالي للآخرين، كل ما في الأمر هو اغتراب الإنسان عن إنسانيته وقيمه الأصيلة، بحيث يفقد قدرته على التعاطف والتضامن، ويصبح غير مبالٍ بآلام الآخرين. وعندما يغيب الإحساس بمعاناة الغير، فإن ذلك قد يعكس حالة من الانفصال عن البعد الأخلاقي والإنساني الذي يميز الإنسان فما بالك الموقف. فكيف يمكن لإنسان أن يشهد قمعًا وإهانة لإنسان آخر أمام عينيه ولا تهتز لديه مشاعر التعاطف أو الرفض أو التضامن؟! وهو ما عشناه في الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها العاملات، حيث تم قمعهن والتنكيل بهن ونعتهن بكل الأساليب القدحية أمام مرآى الأمواج من الناس الحاضرة لمتابعة مهرجان التفاهة (مهرجان عيساوة)؛ أم يفوق عمرها الستين سنة يغمى عليها وتقمع وتنعت بكل النعوت القدحية ولا تحرك فيك ساكنا!! لا لشيء إلا لأنها تدافع عن حقها المسلوب...
إن الصمت أمام الظلم، حين يصبح اعتياديا لا عجزًا، قد يكون أحد أشد مظاهر اغتراب الإنسان عن إنسانيته.
هكذا إذن تعمل الثقافة الرجعية السائدة على تحويل الناس إلى مستهلكين منفصلين عن القضايا التي تؤثر في حياتهم اليومية، وإن السيطرة عليهم لا تُمارس فقط عبر المؤسسات المادية، بل أيضًا عبر التحكم في الأفكار وتوجيه الانتباه، وبالتالي يصبح الإنسان مجرد سلعة تباع وتشترى بمعايير تخدم مصالح الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج.
لكن لا يمكن أن تتحول الثقافة الاستهلاكية السائدة في مجتمعنا المتخلف إلى عقبة أو ذريعة يتذرع بها المناضل للتخلي عن دوره. فمهمة المناضل ليست انتظار وعي جماهيري مكتمل، بل المساهمة في نقد الواقع وكشف تناقضاته والعمل على تغييره.
إن هيمنة الثقافة الاستهلاكية التافهة في مجتمعنا ليست مبررًا لانكفاء المناضل، بل هي أحد الأسباب التي تجعل نضاله أكثر إلحاحًا. فالاستسلام لهذه الثقافة والقبول بها أو الإنصهار فيها تحت أي مبرر كان، يعني التسليم بإعادة إنتاج الواقع بما هو سائد وبأساليب مختلفة بدل السعي إلى تغييره جذريا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق