صفحة الفيسبوك

الرئيسية عمال المناجم: معاناة الطبقة العاملة في أعماق الأرض... -نموذج المنجم الرهيب لجبل عوام-

عمال المناجم: معاناة الطبقة العاملة في أعماق الأرض... -نموذج المنجم الرهيب لجبل عوام-


 عمال المناجم: معاناة الطبقة العاملة في أعماق الأرض...

-نموذج المنجم الرهيب لجبل عوام-


 لا يمكن فهم معاناة عمال المناجم خارج ربطها بعلاقة العمل الرأسمالية القائمة على بيع قوة العمل وتحقيق الربح. يبيع العامل قوة عمله مقابل أجر، بينما يحصل صاحب رأس المال على قيمة أكبر من تلك التي يدفعها في شكل أجور زهيدة جداً. وتظهر هذه العلاقة بوضوح في قطاع المناجم. فالعامل يتحمل مشقة استخراج الثروة في شروط أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير مقبولة، إنها جد جد صعبة، لا يمكن للمرء تخيلها في زمن الكل فيه يتغنى بحقوق العمال، ويلمع صورة النظام الرجعي، من نقابات صفراء وجمعيات وأحزاب وأبواق مأجورة وكل من لف حوله، شروط عمل تستدعي الوقوف عندها: الغبار يملأ كل الأماكن، الغازات السامة المنبعثة عن المتفجرات، دخان الآلات، انعدام كمية الأكسجين اللازمة، العمل في هذه الأماكن لأكثر من ثمانية ساعات، ضوضاء في كل الأماكن، تساقط الأحجار، الانهيارات، أمراض مهنية بالجملة، في حين تتحول الثروة المستخرجة من كل أنواع المعادن (الذهب والفضة والكوبالت والنحاس والفليورين والرصاص و...) إلى مصدر للقيمة والربح، في حين يصبح جسد العامل نفسه جزءً من تكلفة الإنتاج.

معاناة عمال المناجم لا تقتصر على ساعات العمل الطويلة في بيئة لن ولا يمكن أن تتعدى فيها ولو بضع دقائق، بل تمتد إلى حياتهم الاجتماعية. فالأمراض المزمنة والإصابات قد تحرم العامل من قدرته على العمل، بينما يمكن أن تواجه أسرته فقدان مصدر الدخل في حال وقوع حادث خطير ناهيك عن الوفاة. زد على ذلك أن كل المناطق المنجمية بدون استثناء تعاني من التلوث نتيجة الغازات السامة المنبعثة من تحاليل المعادن، و استنزاف الفرشة المائية، لأن عملية التعويم والغسل تتطلب كميات كبيرة جداً من الماء، إضافة إلى الغازات السامة التي تتبخر في الحوض  أو السد La digue  هذا الحوض  أو السد عبارة عن مكان شاسع تعد مساحته بالكيلومترات المربعة، تحدده حجم الإنتاج/المعادن التي تستخرج، و يتم فيها تخزين كل المواد المستعملة في استخراج وغسل وتحويم المعادن من محاليل كيميائية سامة و...، الشيء الذي يجعل حتى الماء المستعمل في هذه المناطق المنجمية سواء للشرب أو للسقي غير صالح بتاتا للاستعمال سواء للإنسان أو الحيوان او النبات، لأن هذه السوائل من ماء ملوث ومحاليل كيميائية تتسرب إلى أعماق الأرض، وإلى الاراضي المجاورة، وقبلها وحدة التسوية وهي عبارة عن احواض  لغسل وتحميل المعادن حيث يضاف لكل نوع من المعادن كمية من محلول كيميائي يناسبه.

إذن هذه التناقضات تكشف عن صراع بين مصالح رأس المال ومصالح العمال. فالربح هو الهدف الأسمى لرأس المال ولو على حساب جماجم العمال، والكرامة هي عنوان أسمى للعمال، فكلما كان تخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة الأرباح هدفًا أساسيًا، يكون الإنفاق على السلامة والأجور وظروف العمل موضع نقاش وصراع. لذلك  فقضية عمال المناجم هي جزء من الصراع الطبقي الأوسع بين العمل ورأس المال.

إن معاناة عمال المناجم تطرح سؤالًا أساسيًا: من ينتج الثروة، ومن يستفيد منها؟ فالعامل الذي يخاطر بحياته في أعماق الأرض لا ينبغي أن يُنظر إليه كوسيلة للإنتاج فقط، وإنما كإنسان له الحق في العمل الآمن والأجر العادل والحياة الكريمة في بيئة وشروط عمل مناسبين وقبلها إلى الكرامة. ومن هنا فقضية عمال المناجم لا يمكن فصلها عن قضايا العمال بشكل عام، ما دام الاستغلال قائمًا، فهي في جوهرها جزء من الصراع من أجل حقوق العمال وتحسين شروط العمل، فالثروة تُنتج بصورة جماعية بواسطة العمال، بينما تتركز ملكية وسائل الإنتاج وعوائدها في أيدي فئة فليلة محدودة جدا.

منجم جبل عوام الرهيب لا يقل خطورة عن المناجم الأخرى (مناجم الدرع الاصفر، وكماسة وهما منجمان للموت التابع للهولدينغ المدى لإنتاج النحاس الرصاص و...، ناهيك عن منجم الكوبالت بورزازات التابع لنفس المجموعة، و...)، هذا المنجم بتغزى هو منجم لإنتاج النحاس والرصاص والفضة، منجم تتساقط فيه أرواح العمال ولا أحد يبالي في هذه الجرائم، القيادات البيروقراطية للنقابات المتواجدة في المنجم متواطئة مع الباطرونا، نضالات العمال غالباً ما تعرف الفشل لاصطدامها مع هذه القيادات المشبوهة وهي أدوات تستعملها الباطرونا لإطفاء وعرقلة ومنع أي حركة أو تحرك يعرفه المنجم، نقابات عدة أطرت العمال في هذا المنجم الرهيب وحاضرة في كل المعارك التي فجرها العمال، معارك بطولية لكن غالباً ما تصطدم بالقيادات البيروقراطية قبل أن تصطدم بالباطرونا.

إن نسبة الحوادث مرتفعة جداً لارتباط الباطرونا بالإنتاج قبل التفكير في سلامة العمال، وهو أسلوب ترتكز عليه لجني الأرباح ولو على جماجم العمال، لذا فنضال عمال المناجم من أجل الأجور والتغطية الاجتماعية وظروف العمل الآمنة وتقليص ساعات العمل والحق في التنظيم النقابي...إلخ، جزء من صراع أوسع ضد رأس المال، والسؤال الجوهري الذي يطرح للعمال هو من يستفيد من الثروة التي ينتجها العامل؟ ومن يتحمل مخاطر الإنتاج؟

في جبل عوام، لا نتحدث عن منجم خامد، بل عن موقع إنتاجي يساهم فيه العمال يوميًا في استخراج ومعالجة الثروة المعدنية (الرصاص، الزنك، النحاس والفضة)، فهناك مواقع عدة للإنتاج، ومنها سينيال، سيدي أحمد بإغرم أوسار و...، فوفق التقرير المالي السنوي لتطور إنتاج الشركة:

بالنسبة إلى سنة 2020، أعلنت الشركة عن تراجع الإنتاج بنسبة 9% بسبب تداعيات الجائحة، وبلغ إنتاج مركزات الرصاص-الفضة 21,380 طنًا ومركزات الزنك-الفضة 3,145 طنًا، أي ما مجموعه 24,525 طنًا.

وفي 2021 بلغ الخام المعالج 299,460 طنًا، بينما بلغ إنتاج المركزات 22,780 طنًا.

 وفي 2022 ارتفع الخام المعالج إلى 355,160 طنًا، وارتفع إنتاج المركزات إلى 26,995 طنًا، بزيادة تقارب 19% مقارنة بـ2021.

أما في 2023، فقد بلغ الخام المعالج 348,250 طنًا، وإنتاج المركزات 26,285 طنًا، مقابل 26,995 طنًا سنة 2022.

 في سنة 2024، تم إنتاج حوالي 354 ألف طن من الخام حسب موقع تغزى. وفي الوقت نفسه، حققت الشركة رقم معاملات بلغ حوالي 587 مليون درهم خلال سنة 2024.

وسجلت سنة 2025 تحسنًا ملحوظًا، فقد بلغ الخام المعالج 357,470 طنًا، بينما ارتفع إنتاج المركزات إلى 28,305 طنًا، بزيادة قدرها 12% مقارنة بـ2024. وهذه الأرقام واردة في مؤشرات نهاية 2025 المنشورة من الشركة، وهي مؤشرات غير مدققة.

هذه الأرقام وهي أرقام مشكوك فيها لأن كمية الإنتاج تبقى في العلبة السوداء للشركة. لكنها تطرح السؤال الطبقي بوضوح: من ينتج هذه الثروة، ومن يملك وسائل إنتاجها، ومن يستفيد من القيمة المتولدة عنها؟ فالعامل لا يبيع فقط ساعات من حياته داخل المنجم، بل يضع قوة عمله في عملية إنتاج تولّد قيمة وثروة تتجاوز أجره. وهنا يظهر التناقض بين العمل ورأس المال: العمال هم الذين يستخرجون الثروة من باطن الأرض، بينما تظل وسائل الإنتاج وقرار توجيه الإنتاج وتوزيع عوائده في يد رأس المال.

إن استمرار معاناة العمال، من هذا المنظور، لا يمكن فصله عن أولوية الربح في تنظيم الإنتاج الرأسمالي. وما دام العامل لا يملك السيطرة على شروط إنتاجه وعلى الثروة التي  يخلقها، يبقى التناقض قائمًا بين حاجاته الإنسانية وبين متطلبات تراكم رأس المال.

سيبقى الاستغلال والاضطهاد الطبقيين قائِمَين ما دام الإنتاج موجَّهًا أساسًا لخدمة تراكم رأس المال وتراكم الأرباح، وما دامت وسائل الإنتاج والثروة متمركزة في أيدي طبقة تملك وتتحكم، بينما لا يملك العمال سوى قوة عملهم التي يضطرون إلى بيعها من أجل تأمين شروط حياتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

C.A.RA.M. يتم التشغيل بواسطة Blogger.