صفحة الفيسبوك

الرئيسية "نَفَس" تونس: ليست كُلّ السُّحب تحمل أمطارا...

"نَفَس" تونس: ليست كُلّ السُّحب تحمل أمطارا...

 


"نَفَس" تونس: ليست كُلّ السُّحب تحمل أمطارا...


تعتبر التجربة السياسية التونسية، بالأمس واليوم، نموذجا للدراسة والتحليل فيما يتعلق بالتغيير الجذري المنشود بالمنطقة المغاربية (شمال افريقيا) وخارجها، ودون تبخيس تجارب نضالية أخرى للشعوب المنتفضة، ومن بينها خاصة تجربتي الشعبين المغربي والمصري، سواء إبان سنتي 2010 و2011 (ما سُمِّيّ ب"الربيع العربي" حينذاك) أو قبلهما/بعدهما. ونعترف أن التجربتين التونسية والمصرية كانتا أكثر تقدما وعمقا نضاليين مقارنة بالتجربة المغربية، فالشعار المركزي الذي أطر التجربتين المذكورتين، أي "الشعب يريد إسقاط النظام" غاب عن التجربة المغربية بفعل فاعل (فاعلين)، بل وتم التصدي له ومحاربته حتى من طرف القوى السياسية التي تدّعي ليس فقط المعارضة، بل الثورية أيضا. وأخطر ما حصل بالمغرب هو "تحييد" النقابات، بما يعنيه ذلك من إقصاء للطبقة العاملة وعموم الشغيلة وكذلك التنسيق (مجلس الدعم) مع القوى الظلامية (جماعة العدل والإحسان) كقوى رجعية عميلة للنظام الرجعي القائم وللامبريالية ومتورطة في اغتيال المناضلين، وهو التنسيق (الخطأ القاتل) المستمر حتى الآن وبإصرار انتهازي خاصة في صفوف ما يسمى ب"الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع"...

والتركيز على التجربة التونسية لأنها كانت (موازين القوى إبانه) أقرب الى الإسقاط الفعلي للنظام الرجعي القائم بتونس رغم المؤامرات الداخلية (القوى الظلامية بالخصوص) والخارجية (الامبريالية والصهيونية والرجعية)، وطبعا غياب التنظيم الثوري...

واعتماد هذه التوطئة المختصرة يروم الوقوف عند وضعية جوهرية، وتتمثل هذه الأخيرة في استمرار حضور الأطراف السياسية نفسها التي ساهمت في إجهاض الثورة التونسية (ثورة الشهيد البوعزيزي التي اندلعت يوم 17 دجنبر 2010 بمدينة سيدي بوزيد، ثورة الياسمين أو الثورة التونسية، "ثورة الحرية والكرامة"...)...

ماذا يجري الآن بتونس؟

في ظل التردي الاقتصادي والاجتماعي العام والمتفاقم بتونس الى جانب أزمة الكهرباء المستجدة (إعلان الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن احتمال اللجوء إلى القطع الدوري للتيار الكهربائي في بعض المناطق...)، وفي أجواء تخليد ذكرى إعلان الجمهورية التونسية (25 يوليوز 1957)، اندلعت مظاهرات احتجاجية صاخبة...  

ويقف وراء الاحتجاجات الراهنة بتونس "جبهة" يقودها ما يسمى ب"حراك نَفَس" وأطراف سياسية أخرى، من بينها ائتلاف ما يسمى ب"جبهة الخلاص الوطني" (من بين مكوناتها حزب النهضة الرجعي الظلامي ممثِّلا لقيادتها والمتحدث باسمها عماد الخميري) وتشكيلات سياسية أخرى (تيار الوسط والحزب الجمهوري باسم ناطقه وسام الصغير والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر...)...

ومن بين عناصر الدعوة للاحتجاج "أنّ الرئيس وعد بإنجاز المدينة الصحيّة، والصلح الجزائي، والتنمية الحقيقية، والقطع مع المناولة والمديونيّة، ومحاربة الفساد والمحسوبيّة، فضلًا عن إنقاذ العاملة الريفيّة، وتطوير الأحياء الشعبيّة وتذليل الفوارق الجهويّة، بالتعويل على الذات والشركات الأهليّة...؛ لكن ما حصل "أنّه قام بإلغاء الشيكات، وزادت البطالة، بالإضافة إلى فقدان أبسط الخدمات والحقوق الأساسية من ماء ودواء ومواد غذائية". كما أنه "انتقد هجرة الكفاءات بالإضافة إلى الهجرة غير النظامية، مؤكدًا أنّ "الاستثمار تعطّل، والاقتصاد غرق.. كما لم تترك السلطة حزبًا أو جمعيّة ولا إعلامًا، ولا ديمقراطيّة، وأنّ الإنجازات تقتصر على زيارات فجائيّة وخطابات شعبويّة". واعتبر حراك "نفس" أنّ الدعوة للاحتجاج تأتي بعد "سبع سنوات من الظلم والفشل، وقيادة البلاد بلا عقل"، مستنكرا وضعية الذل وفقدان الأمل بتونس...

و"َنفَس" للعلم الذي يتزعمه حسام الحامي منسق "ائتلاف صمود"، حراك تأسس بتونس في فبراير 2026 كتجمع سياسي معارض من خلال "العريضة الوطنية للدفاع عن حرية التعبير" التي وقع عليها عدد من الأسماء الناشطة بالحقلين السياسي والجمعوي/المدني، وأبرزها حسام الحامي؛ تجمع مفتوح أمام المواطنين "كافة"، وهدفه الأساسي الدفاع عن حرية التعبير وحرية الصحافة وتعدد الآراء. نظم هذا الحراك مبادرات احتجاجية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية بتونس، ونظم بعد ذلك مسيرة احتجاجية بالعاصمة تونس في 25 يوليوز 2026 تحت شعار "يزّي من العبث" (كفى من العبث)...

والملاحظة الأولى التي لا تخطئها العين أن منظمي ومؤطري "الحراك" الحالي بتونس هم أنفسهم "أبطال" الماضي المنخرطين من الداخل في اللعبة الديمقراطية للنظام الرجعي القائم بتونس، وفي مقدمتهم المدعو حسام الحامي الذي كان عضوا بحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (حزب وسط، ديمقراطي اجتماعي) قبل أن ينسحب منه بعد تحالف الحزب مع القوى الظلامية في شخص حزب النهضة الرجعي 'تجربة الترويكا، 2011-2014)...

وإذا قام بذلك حسام الحامي، أي رفض التحالف/التنسيق مع القوى الظلامية، فماذا عن موقف حمة الهمامي بتونس وورفاقه بالمغرب؟!!!

أما الملاحظة الثانية، فهي تخلف الحزب العمالي التونسي بزعامة (كاريزما) حمة الهمامي عن التأثير في سير الانتفاضة الشعبية التونسية حاليا أو توجيهها نحو "إسقاط النظام" فعلا. فلا يكفي أن يكون ضمن حراك "تفس" في ظل سقف محدود مكرس لاستمرار هياكل النظام الر جعي القائم، فالمطلوب من القوى الثورية حقا أن تكون قائدة لأي ائتلاف أو جبهة تتوخى حقا أو تناضل من أجل الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، وذات شعارات ثورية مميزة سياسيا وطبقيا...

وتجربة تونس اليوم، تطرح بحدة شعار "الجبهة الوطنية" التي من شأنها التصدي للنظام الرجعي القائم بتونس بتحالف مع القوى السياسية الممثلة للطبقة 

العاملة وحلفائها (الفلاحين الفقراء...) وللبورجوازية الصغيرة والبورجوازية المتوسطة (شريحتها الدنيا)، أي البورجوازية الوطنية المناهضة للامبريالية وعملائها بالداخل، أي البورجوازية الكبيرة (طبقتي الكمبرادور والملاكين العقاريين). إلا أن غياب الحزب الثوري القائد للجبهة لا يمكن إلا تكريس شروط استمرار الأنظمة الرجعية اللاوطني اللاديموقراطية اللاشعبية، سواء بتونس أو بغيرها، وبانتعاش القوى الرجعية، وخاصة القوى الظلامية والشوفينية...

إنه لا يكفي الخروج إلى الشارع أو تشكيل اللجن والجبهات تحت مختلف المسميات والعناوين، فليست كل السحب تحمل أمطارا...

إن التحدي الذي تكشف عنه التجربة التونسية وباقي تجارب الشعوب المضطهدة هو الاشتغال على بناء الحزب الثوري المنظم والمؤطر والقائد لنضالات الجماهير الشعبية وأي شكل من أشكال التحالفات، وذلك طبعا "تحت نيران العدو" وفي خضم الصراع الطبقي؛ وهو ما يعطي معنى ثوريا للخروج إلى الشارع والانتفاض بعيدا عن العفوية ومن أجل انتزاع ومراكمة المكتسبات والتصدي للمخططات الطبقية المدمرة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

C.A.RA.M. يتم التشغيل بواسطة Blogger.